محمد متولي الشعراوي

1495

تفسير الشعراوى

إن القوى لحظة أن يمسك بخصم ضعيف ، فمن الممكن أن يطلقه ؛ لأن القوى مطمئن إلى أن قوته تستطيع أن تؤذى هذا الضعيف . لكن الضعيف حين يملّك قويا ، فإنه يعتبر الأمر فرصة لن تتكرر ، ولذلك فالشاعر يقول : وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت * كذلك قدرة الضعفاء إن الضعيف هو الذي يمكر ويبيت . والذي يمكر قد يضع في اعتباره أن خصمه أقوى منه حيلة وأرجح عقلا ، وقد ينكل به كثيرا ؛ لذلك يخفى الماكر أمر مكره أو تبييته . فإذا ما أراد خصوم المنهج الإيمانى أن يمكروا ، فعلى من يمكرون ؟ إن الرسول لا يكون في المعركة بمفرده ولكن معه اللّه . يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) ( سورة البقرة ) فاللّه يعلم ما يبيت أي إنسان ، ولذلك فعندما يريد اللّه أن يبرز شيئا ويوجده فلن يستطيع أحد أن يواجه إرادة اللّه وأمره ، إذن فمكر اللّه لا قبل لأحد لمواجهته . وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 54 ) ( سورة آل عمران ) وساعة تجد صفة تستبعد أن يوصف بها اللّه فاعلم أنها جاءت للمشاكلة فقط وليست من أسماء اللّه الحسنى . إن المؤمنين بإمكانهم أن يقولوا للكافرين : إنكم إن أردتم أن تبيتوا لنا ، فإن اللّه قادر على أن يقلب المكر عليكم . أما أسماء اللّه وصفاته فهي توقيفية ، نزل بها جبريل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . لكن إذا وجد فعل للّه لا يصح أن نشتق نحن منه وصفا ونجعله اسما للّه ، « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ » . فليس من أسماء اللّه مخادع ، أو ماكر ، إياك أن تقول ذلك ؛ لأن أسماء اللّه وصفاته توقيفية ، وجاء القول هنا بمكر اللّه كمقابل لفعل من البشر ؛ ليدلهم على أنهم لا يستطيعون أن يخدعوا اللّه ، ولا يستطيعون أن يمكروا باللّه ؛ لأن اللّه إذا أراد أن يمكر بهم ، فهم لا يستطيعون مواجهة ذلك . إن الحق يقول :